أحمد مصطفى المراغي
91
تفسير المراغي
ونحو الآية قوله تعالى : « وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ؟ قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ » . عن أبي سعيد الخدرىّ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا كان يوم القيامة عرّف الكافر بعمله ، فيجحد ويخاصم ، فيقال هؤلاء جيرانك يشهدون عليك ، فيقول كذبوا ، فيقال أهلك وعشيرتك ، فيقول كذبوا ، فيقال احلفوا فيحلفون ، ثم يصمّهم اللّه فتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ثم يدخلهم النار » . ويرى فريق من المفسرين أن الشهادة هنا ليست الشهادة باللسان ، بل شهادة الإثبات والبيان ، إذ كل ما يعمله الإنسان في الدنيا من قول أو فعل تنطبع له صورة على العضو الذي فعله ، فالكلمة يقولها تنطبع لها صورة على اللسان ، واليد التي تمتد لفعل شئ ، والرجل التي تخطو إلى عمل ، كل ذلك يحفظ على نفس الجارحة التي فعلته ، فما أشبه ذلك بالصور التي تؤخذ اليوم لأصابع المجرمين وبصمات أيديهم وأرجلهم في قلم تحقيق الشخصية للرجوع إليها إذا دعت الحاجة إلى ضبط أولئك المجرمين ، فما ينطبع إذ ذاك على اللسان واليد والرجل يكون كافيا جد الكفاية في إثبات الجرم على أولئك المجرمين والطغاة الظالمين . ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) أي في هذا اليوم يوفيهم اللّه جزاءهم على أعمالهم ، ويعلمون أن ما كانوا يوعدون به في حياتهم الدنيا من العذاب هو الحق الذي لا شك فيه ، ويزول عنهم كل ريب كان قد ألمّ بهم في الدار الأولى . عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اجتنبوا السبع الموبقات ، قيل وما هن يا رسول اللّه ؟ قال : الشرك باللّه ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » رواه الشيخان . قال صاحب الكشاف : ولو قلّبت القرآن كله وفتّشت عما أوعد به العصاة